الشنقيطي

253

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فيقال : إنه سبحانه منزه عن الظرفية بالمعنى المعروف والمنصوص في حق المخلوق . وقد دلت النصوص من السنة على نفي ذلك عنه تعالى واستحالته عقلا عليه سبحانه في حديث : « ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة أو دراهم في ترس ، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة في فلاة ، وما العرش في كف الرحمن إلا كحبة خردل في كف أحدكم » فانتفت ظرفية السماء له سبحانه على المعروف لنا ، ولأنه سبحانه مستو على عرشه . وفيما قدمه الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في هذا المبحث شفاء وغناء ، وللّه الحمد والمنة . قال القرطبي : إن في السماء بمعنى فوق السماء كقوله : فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ [ التوبة : 2 ] أي فوقها لا بالمماسة والتحيز . وقيل : في بمعنى على كقوله : وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [ طه : 71 ] أي عليها إلى أن قال : والأخبار في هذا الباب كثيرة صحيحة منتشرة مشيرة إلى العلو لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل أو معاند ، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت ووصفه بالعلو اه . وهذا الذي ذكره هو عين مذهب السلف ، وقد ذكر كلاما آخر فيه التأويل وفيه التنزيه . قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ [ 19 ] . الطير صافات ، أي مادات أجنحتها . ويقبضن : أي يضمنها إلى أجسامها . قال أبو حيان : عطف بالفعل ويقبضن على الاسم ، صافات ، ولم يعطف باسم قابضات ، لأن الأصل في الطيران هو بسط الجناح ، والقبض طارىء ، وهذا الذي قاله أبو حيان : جار على القاعدة عندهم من أن الاسم للدوام والثبوت ، والفعل للتجدد والحدوث ، فالحركة الدائمة في الطيران هي صف الجناح ، والجديد عليه هو القبض . وقوله تعالى : ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ دليل على قدرته تعالى وآية لخلقه ، كما في قوله تعالى : أَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [ النحل : 79 ] .